
حرب إيران تزداد صعوبة على أمريكا
❗️خاص صدى الولاية❗️ بقلم: د. محمد هزيمة
كاتب سياسي – خبير استراتيجي – مستشار في العلاقات الدولية
صدى الولاية | ما لم ينتبه إليه كثيرون أن إيران، خلال المرحلة الأخيرة من المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة، ولا سيما المرحلة الثانية من الحرب، انتقلت، وفق القراءة الاستراتيجية للمشهد، إلى اعتماد مقاربة عملياتية مختلفة، تقوم على تغيير أولويات الاستهداف وإعادة توزيع الضغط العسكري على القواعد والمنشآت الأمريكية في المنطقة.
فبدلاً من تركيز الضربات المباشرة على الكيان الصهيوني، اتجهت طهران، بحسب تقدير الكاتب، إلى استهداف القواعد الأمريكية المنتشرة في عدد من الدول العربية، بهدف تقليص قدرتها على تنفيذ العمليات العسكرية، وإجبار واشنطن على إعادة النظر في انتشار قواتها وطائراتها ومنظوماتها القتالية.
تحول في العقيدة العسكرية الإيرانية
لم يعد الهدف الإيراني، وفق هذه القراءة، مقتصراً على الرد العسكري المباشر، بل بات يرتبط بمحاولة تعطيل البنية العملياتية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في إدارة المواجهة.
ويرى الكاتب أن الضربات التي استهدفت مواقع أمريكية في منطقة الخليج، ثم امتدت إلى قواعد في الأردن، تعكس توجهاً إيرانياً نحو توسيع نطاق الضغط العسكري ورفع كلفة الوجود الأمريكي بالقرب من الأراضي الإيرانية.
وتشير هذه القراءة إلى أن بعض القواعد التي كانت خارج دائرة الاستهداف المباشر أصبحت ضمن الحسابات العسكرية الإيرانية، بما فيها المواقع المرتبطة بمنطقة العقبة.
ويعتبر الكاتب أن هذا التحول دفع واشنطن إلى مراجعة تموضع جزء من طائراتها ومعداتها العسكرية، والبحث عن مواقع انتشار أبعد عن نطاق التهديد الصاروخي الإيراني.
إعادة انتشار الطائرات الأمريكية وتراجع هامش المناورة
يرى الكاتب أن نقل الطائرات الأمريكية إلى قواعد بعيدة، أو تعزيز وجودها في الأراضي المحتلة وعلى حاملات الطائرات، يمثل تطوراً مهماً في طبيعة المواجهة.
ويستشهد في هذا السياق بمعلومات متداولة عن تحركات للطائرات الأمريكية المرتبطة بقاعدة دييغو غارسيا البريطانية في المحيط الهندي، معتبراً أن هذه التحركات قد تعكس مخاوف أمريكية من اتساع نطاق التهديد الإيراني.
وبحسب التحليل، فإن ابتعاد الطائرات الأمريكية عن قواعدها القريبة من إيران يفرض تحديات عملياتية إضافية، تتعلق بزمن الوصول إلى الأهداف، والحاجة إلى التزود بالوقود، وتنسيق العمليات الجوية، وتأمين خطوط الإمداد والحماية.
كما أن الانطلاق من مسافات بعيدة قد يمنح منظومات الرصد والإنذار المبكر الإيرانية وقتاً إضافياً لمتابعة التحركات الجوية والاستعداد للتعامل معها.
ويشير الكاتب إلى دور محتمل للتعاون التقني والعسكري الإيراني مع الصين وروسيا في تطوير قدرات الرصد والإنذار المبكر، مع بقاء طبيعة هذا التعاون ومدى فاعليته العملياتية من المسائل التي تحتاج إلى إثبات مستقل.
القواعد الأمريكية في الأراضي المحتلة أمام حسابات جديدة
إن تركيز جزء من القدرات الجوية الأمريكية في قواعد داخل الأراضي المحتلة، إذا ثبت حصوله بالحجم المتداول، قد يخلق تحديات تتعلق بكثافة الانتشار وحماية المنشآت العسكرية.
ويرى الكاتب أن استخدام هذه القواعد في شن هجمات على إيران قد يدفع طهران إلى توسيع دائرة ردها العسكري، بما يشمل المواقع التي تنطلق منها العمليات.
ومن هذا المنطلق، يعتبر أن محاولة إبعاد الطائرات الأمريكية عن القواعد القريبة من إيران تمثل، في حال تحققها، مكسباً عملياتياً لطهران، لأنها تزيد تعقيد التخطيط الأمريكي وتفرض متطلبات إضافية لحماية القوات والمنشآت.
لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة فقدان الولايات المتحدة قدرتها على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة، بل يشير إلى ارتفاع الكلفة والمخاطر المرتبطة بها.
حاملات الطائرات والصواريخ الإيرانية المضادة للسفن
لا تقتصر التحديات، وفق التحليل، على القواعد البرية، بل تمتد إلى حاملات الطائرات والقطع البحرية الأمريكية العاملة في المنطقة.
ويشير الكاتب إلى تطوير إيران قدراتها الصاروخية المضادة للسفن، بما فيها صواريخ من عائلة «خليج فارس»، معتبراً أن هذه المنظومات تدخل ضمن استراتيجية تهدف إلى توسيع نطاق التهديد البحري.
ويرى أن امتلاك صواريخ بعيدة المدى، إلى جانب الطائرات المسيّرة ووسائل الاستطلاع، قد يفرض على القوات البحرية الأمريكية اعتماد إجراءات دفاعية وانتشار أكثر تعقيداً.
ومع ذلك، فإن امتلاك قدرات صاروخية مضادة للسفن لا يكفي وحده لإثبات القدرة على إصابة حاملات الطائرات أو تجاوز منظومات حمايتها، إذ ترتبط النتائج بعوامل تقنية وعملياتية متعددة.
القاذفات الاستراتيجية الأمريكية ومعادلة المسافات
في ضوء هذه التطورات، يعتقد الكاتب أن واشنطن قد تضطر إلى زيادة اعتمادها على القاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى، وفي مقدمتها B-52 وB-2 الشبحية، لتنفيذ عمليات ضد أهداف داخل الأراضي الإيرانية.
غير أن استخدام هذه الطائرات يرتبط بمتطلبات دقيقة، تشمل التخطيط لمسارات الطيران، وتأمين الدعم اللوجستي، والتزود بالوقود، وتنسيق عمليات الحرب الإلكترونية والاستطلاع.
وفي المقابل، تعمل إيران، وفق التحليل، على تطوير قدراتها الصاروخية بعيدة المدى بهدف توسيع نطاق الردع وإيصال رسالة مفادها أن القواعد البعيدة ليست بالضرورة خارج دائرة المخاطر.
ويطرح الكاتب في هذا الإطار احتمال دخول مواقع عسكرية بعيدة، مثل دييغو غارسيا في المحيط الهندي، ضمن الحسابات الاستراتيجية الإيرانية، مع الإشارة إلى أن القدرة الفعلية على استهداف هذه المواقع تحتاج إلى معطيات تقنية موثوقة.
صواريخ فتاح وخرمشهر ومنظومات كشف الطائرات الشبحية
تراهن طهران على تطوير ترسانتها الصاروخية ومنظومات الدفاع الجوي والرصد، في محاولة لتعزيز قدرتها على مواجهة التفوق الجوي الأمريكي.
وتبرز في هذا السياق منظومات صاروخية إيرانية، من بينها «خرمشهر» و«فتاح»، التي تقدمها طهران بوصفها جزءاً من قدراتها الاستراتيجية المتقدمة.
كما يتناول الكاتب احتمال تطوير إيران تقنيات رصد قادرة على تحسين اكتشاف الطائرات ذات البصمة الرادارية المنخفضة، مستفيدة من خبراتها المحلية والتعاون التقني الخارجي.
ويرى أن طهران قد تحتفظ بقدرات لم تكشف عنها بصورة كاملة، بهدف استخدامها عند الحاجة ورفع مستوى الغموض في حسابات خصومها.
غير أن الحديث عن منظومات قادرة على تحييد الطائرات الشبحية أو تغيير مسار المواجهة بصورة حاسمة يبقى في إطار التقديرات ما لم تدعمه اختبارات ونتائج عملياتية مثبتة.
خطط البنتاغون لضربات مكثفة ضد إيران
يتوقف الكاتب عند تقارير متداولة عن إعداد وزارة الدفاع الأمريكية خططاً لحملة ضربات مكثفة ضد إيران، قد تمتد ثلاثة أيام وتستهدف مواقع الصواريخ والطائرات المسيّرة والبنية التحتية للطاقة ومراكز قيادة الحرس الثوري والمنشآت العسكرية.
وفي المقابل، تتحدث هذه التقارير عن تردد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن استئناف العمليات العسكرية، وسط تباينات داخل فريقه حول جدوى توجيه ضربات جديدة والنتائج التي قد تترتب عليها.
ويرى الكاتب أن هذا التردد، إذا صحت المعلومات المتداولة، يرتبط بإدراك واشنطن أن إيران باتت أكثر استعداداً للتعامل مع الضربات الأمريكية، بعد اكتساب خبرة من المواجهات السابقة ودراسة نقاط القوة والقيود في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية.
لماذا أصبحت الحرب أكثر تعقيداً على واشنطن؟
يخلص الكاتب إلى أن تنفيذ حملة عسكرية أمريكية جديدة ضد إيران قد يكون أكثر تعقيداً من المراحل السابقة، خصوصاً إذا كانت واشنطن قد اضطرت إلى تعديل انتشار قواتها وتقليص اعتمادها على القواعد القريبة.
ففي السابق، كانت القواعد الأمريكية في الظفرة والعديد والأزرق وغيرها توفر مزايا عملياتية تتعلق بالقرب الجغرافي وسرعة الاستجابة.
أما الانتقال إلى قواعد أبعد، فيعني زيادة متطلبات التخطيط والإسناد والتنسيق، وقد يؤثر في وتيرة الطلعات الجوية والقدرة على المحافظة على ضغط عسكري متواصل.
ويرى الكاتب أن فكرة حسم المواجهة بضربات تستمر ثلاثة أيام أصبحت موضع تساؤل، وأن أي حملة واسعة قد تتطلب وقتاً أطول واستعدادات أكثر تعقيداً، مع احتمال اتساع نطاق الرد الإيراني.
الخلاصة: مواجهة تتغير فيها الحسابات العسكرية
لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وفق قراءة الكاتب، محكومة فقط بحجم الترسانات العسكرية أو التفوق التكنولوجي، بل أصبحت مرتبطة بقدرة كل طرف على إدارة الانتشار والردع والاستنزاف وتحمل الكلفة السياسية والعسكرية.
فإيران تسعى إلى توسيع نطاق التهديد ورفع كلفة العمليات الأمريكية، فيما تحتفظ واشنطن بقدرات جوية وبحرية واستراتيجية كبيرة تتيح لها تنفيذ عمليات من مسافات بعيدة.
وبين هذين المسارين، تتزايد أهمية القواعد العسكرية والممرات البحرية ومنظومات الدفاع الجوي والصواريخ بعيدة المدى في تحديد خيارات الطرفين.
ويخلص الكاتب إلى أن المرحلة التي كانت تستطيع فيها الولايات المتحدة الاعتماد على قواعدها القريبة لتنفيذ عمليات عسكرية بكلفة محدودة نسبياً تواجه تحديات متنامية، وأن أي قرار أمريكي باستئناف الحرب سيحتاج إلى حسابات أكثر تعقيداً مما كان عليه في السابق.